منوعات

قبـ,ـرها الحجري

مع مرور الوقت، صار مستوطنون آخرون يأتون إلى أرضها ليتعلموا منها. كانوا يسألونها عن زوايا الحفر، وعن خلطات الطين، وعن الأسقف المزروعة بالعشب الحيّ. وكانت تعلمهم بصبر، من غير أجر، ومن غير تباهٍ، بل لأنها كانت تشاركهم ما شاركته جدّتها معها.
وبحلول سنة 1892، بنت إلارا بيتًا خشبيًا صغيرًا على بعد مئة ياردة من مغارتها، لأن توماس كارفر كان
قد وهبها عشرة أفدنة إضافية تقديرًا لذكائها. لكنها لم تهجر مغارتها قط. أبقتها مخزنًا للجذور، تحفظ فيه البطاطا واللفت والجزر في حرارة ثابتة تبلغ اثنتي عشرة درجة مئوية طوال العام.

وفي أشد ليالي الشتاء بردًا، حين كانت الريح تعود للعواء، كانت تنام هناك متلفعة ببطانيتها، وتصغي إلى الصمت العميق الذي لا تمنحه إلا الأرض.
وتزوجت في نهاية المطاف، لا من أندرس، بل من نجار نرويجي اسمه هنريك، رجل قليل الكلام كان يعجب بقوتها ولم يحاول قط أن يغيرها. وأنجبت منه أربعة أبناء، قضى كلٌّ منهم أولى فصول شتائه في تلك المغارة، فنشأوا أقوياء أصحّاء في رحم الأرض.
وحين بلغت إلارا التاسعة والسبعين، وكانت تجلس على شرفة بيتها الخشبي، شعرها الأبيض مضفورًا، ويداها لا تزالان قويتين، جاء صحفي شاب من الشرق ليجري معها مقابلة عن الأيام الأولى من داكوتا.

سألها
السيدة بيرغستروم، أحقٌّ أنكِ أنقذتِ بلدة بأكملها في العاصفة الكبرى سنة 1887؟
ابتسمت إلارا تلك الابتسامة التي لا تمنحها إلا السنون والحكمة، وأجابت
لم أكن أنا يا بني، بل كانت جدّتي التي علمتني كيف أُنصت، وكانت الأرض التي لا تكف عن العطاء إذا طلبت منها باحترام.
دوّن الصحفي كلامها بعناية في دفتره، لكن إلارا كانت تعرف أنه لم يفهم حقًا. ليس بعد. وربما يأتي يوم، حين يتركه العالم الحديث بآلاته وغروره يرتجف في البرد، يتذكر هو أيضًا أن الأرض أم، وأن التواضع أثمن من الذهب.

توفيت إلارا برينان سنة 1904، بعد ثلاثة وثلاثين عامًا من وصولها إلى داكوتا. ودُفـ,ـنت على التل عند ويلو كريك، غير بعيد من المغارة التي حفرتها بيديها. وكان قد نقش على شاهد قبرها، بيد زوجها المرتجفة
لقد أصغت إلى الأرض، فأصغت الأرض إليها.
ولا تزال مغارتها قائمة إلى اليوم، وإن كان سقفها العشبي قد دُعّم بالخشب، وصار داخلها يُستخدم مخزنًا فقط، فإن بنيتها الأساسية ما تزال صامدة بعد أكثر من مئة عام.

وفي ليالي الشتاء، حين تعود ريح داكوتا إلى الهبوب بعنف، ما يزال مزارعو المنطقة يروون قصة الفتاة الإيرلندية التي حفرت قبرها بيديها، ثم انتهى بها الأمر إلى إنقاذ الأرواح فيه.
إن قصصًا مثل قصة إلارا برينان تذكّرنا بأن التواضع والملاحظة أثمن من الذهب. وتذكرنا بأن حكمة القدماء، تلك الحكمة التي تأتي من مراقبة الطبيعة والتعلم منها، أقوى من أي تقنية حديثة. وتذكرنا بأن الشجاعة الحقيقية ليست في التفاخر، بل في المثابرة بصمت، ونحن نحفر خلاصنا بأيدٍ متقرحة وقلوب ثابتة.

فالحق يظهر في النهاية، لأن الذين ينجون ليسوا المتكبرين، بل الذين يعرفون كيف ينحنون ليدخلوا من الأبواب المنخفضة، والذين لا يخافون اتساخ أيديهم، والذين يفهمون أن الأرض ليست عدوّنا، بل أمّنا. والأمهات، إذا عاملناهن باحترام، لا يتركننا نمـ,ـوت بردًا.
الحقيقة تظهر دائمًا حين تأتي العاصفة.

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى