منوعات

العائله

لسنين طويلة، عيلتي كانت بتتجاهل نجاحي، وبيخططوا ياخدوا فلوسي عشان أختي المدللة. فقررت أدي أخويا اللي دايمًا متنسي شقة ببلاش في تخرجه. رد فعل أبويا: “الفلوس دي كانت عشان قروضها!” أبويا صرخ بالجملة دي لدرجة إن كل الناس في حفلة التخرج سمعوها. “الفلوس دي كانت عشان قروضها!” الحوش كله سكت. مش سكون عادي. مش اللي الناس فيه بتسكت شوية بأدب. لا، ده النوع اللي الشوك بيقف في نص الطريق لفمك. اللي حد يوقع تلج في صندوق تبريد وصوته ييجي زي طلقة.

تمانين شخص سمعوه وهو بيقولها. وتمانين شخص شافوا أخويا الصغير واقف لابس روب التخرج الكحلي ماسك مفاتيح شقة أنا لسه مديهاله. وكل واحد فيهم فهم نفس الحاجة في نفس اللحظة: أهلي كانوا بالفعل قرروا إن فلوسي من حق أختي. بس عمرهم ما توقعوا إني أقول لأ. الحفلة كانت في حوش بيت أهلي في ضواحي كولومبوس، أوهايو. حي طبقة متوسطة عليا. شجر متقصوص. صناديق بريد حسب قوانين الكمباوند. نوع الحتة اللي الناس فيها بتبتسم من غير ما توصل عيونها للابتسامة، وبتحكم على حياتك من شكل حديقتك.

أمي كانت عاملة كل حاجة عشان حفلة تخرج ياسين، وده في حد ذاته كان لازم يخليني آخد بالي. زينة أزرق وفضي على السور. ترابيزات بلاستيك عليها مفارش بتطير مع الهوا. حد مأجر خيمة بيضا عشان أمي دايمًا كانت مهووسة بالشكل. كل حاجة في عيلتي كانت شكل وبس. صورة العيلة المثالية. البنت المثالية. الانطباع المثالي. الحقيقة كانت مهمة بس لو مناسبة ليهم. كنت واقف عند ترابيزة العصير و في إيدي زجاجة بيرة عرقانة، وابن عمي محمود بيقلب لحمة على الشواية.

“متوتر؟” سألني بهدوء. بصيت ناحية نص الحوش اللي فيه ياسين بيفتح كروت التخرج. “لا” كدبت. محمود ضحك بسخـ,ـرية. “كدب.” وكان عنده حق. بطني كانت مقفولة من الصبح. مش بسبب الشقة. دي كنت مبسوط بيها. ياسين يستاهلها. المشكلة إني كنت عارف عيلتي هتعمل إيه أول ما يعرفوا أنا دفعت كام. لما تعيش 36 سنة مع نفس العيلة، بتبدأ تتوقع الانفـ,ـجارات قبل ما الفـ,ـتيل يولـ,ـع. أمي كانت ماشية وسط الناس بابتسامة مزيفة. أبويا بيصافح الكل كأنه سياسي في حملة انتخابية.

وليلى—أختي الكبيرة المدللة—واقفة في النص بتاخد الاهتمام زي ما يكون هوا. ليلى كانت عندها 32 سنة ولسه عايشة كأن الدنيا معمولة عشان تخدمها. شعرها الأشقر متظبط. نضارة شمس على راسها. فستان أبيض صيفي. تان مصطنع. وش دايمًا باين عليه إن الحياة زعلتها شخصيًا. الناس كانت بتحب ليلى أول ما تقابلها. دي كانت المشكلة. كانت عارفة تمثل إنها ضعيفة. تسمع جمل زي: “هي حساسة بس.” “مريت بحاجات صعبة.” “بتحاول على قدها.” وفي الحقيقة “حياتها الصعبة” كانت قرارات مالية غلط بيتصرف عليها من إنكار أهلي.

جامعة خاصة. تغيير تخصص 3 مرات. ماجستير مش مكمل. شقة فخمة في وسط البلد عشان “الشغل والعلاقات”. جيب رانجلر مش قادرة تدفعه. وديون دراسة تخلي أي بنك يضحك عليها. بس في نظر أهلي؟ ليلى مش مهملة. هي مضغوطة. في فرق. على الأقل في نظرهم. ياسين كان قاعد على طرف الترابيزة بيفتح الكروت بهدوء، وكل العيلة بتصفق على كل ظرف فيه فلوس. كان باين عليه متضايق من الاهتمام. ده ياسين. ولد هادي. جسمه نحيف. شعره غامق دايمًا نازل على عينه. نوع الشخص اللي بيعتذر لو حد خبط فيه.

في سن 18 كان فاهم حاجة أنا ما فهمتهاش غير بعد سنين: أسهل طريقة تعيش بيها وسط عيلتنا إنك ما تحتاجش حاجة. لأن ليلى كانت محتاجة كل حاجة. ومفيش أكسجين عاطفي كان بيكفي بعدها. كنت بشوفه بيشكر عمته دلال على شيك 100 دولار كأنه اتدفع له حياته كلها. قلبي كان بيتقبض. دخل كلية أوهايو ستايت بمنحة جزئية. درجات عالية. بيشتغل في إجازات في محل أدوات. عمره ما بيشتكي. وبرضه ناوي يعيش مع أهله عشان “ما يبقاش مكلف”.

الجملة دي كسرتني أول مرة قالها. “ما يبقاش مكلف”. كأن وجوده هو أصلاً عبء. شربت البيرة وبصيت للعربية السودا اللي واقفة في آخر الشارع. جواها الورق. موقّع. متنقل. خلص. مفيش رجوع. محمود قرب مني. “إيه اللي جايبهوله بالظبط؟” ابتسمت. “هتشوف.” رفع حواجبه. “ده شكله هيبقى مصيبة.” “أنت لسه شوفت حاجة.” الحقيقة إني ماكنتش ناوي أعمل حاجة كبيرة بالشكل ده. كنت ماشي في دوري طول حياتي. الابن الناجح. الابن المسؤول. الابن اللي مابيعملش مشاكل. بنيت شركتي والكل كان مستصغرني.

سوفتوير لتحليل سلاسل الإمداد. مش حاجة حد بيتكلم عنها في العزومات، بس حاجة بتجيب فلوس كتير. بدأتها في أوضة صغيرة وأنا 28 سنة. شغل 16 ساعة يوميًا. عايش على بروتين بار وكافيين. خسرت علاقات. فوت فرحانات. وصلت لمرحلة صداع توتر لدرجة إني مرة رجعت في حمام مطار قبل عرض عميل. ولا حد في عيلتي كان مهتم وقتها. أبويا كان بيقدملي كده: “ده كريم. بيشتغل في كمبيوتر.” في الكمبيوترات. كأني بصلّح طابعات في محل. وفي نفس الوقت ليلى تطلب قهوة بالشوفان وأمي تقول كأنها غزت القمر.

لكن بعدين الشركة كبرت. استثمار. عروض شراء. فلوس. وساعتها بقيت مهم جدًا في نظرهم. مش عشان احترام. عشان استفادة. ساعتها الكلام اتغير. “فخورين بيك.” “أنت ذكي من زمان.” “العيلة لازم تساعد بعضها.” آخر جملة دي كانت المفضلة عند أبويا. العيلة لازم تساعد بعضها. بس كان قصده: أنت لازم تساعد ليلى. دايمًا ليلى. في الأول كان بشكل بسيط. أمي تلمح لديون ليلى في العزومات. أبويا يسأل أسئلة عامة عن “خططي المالية”. ليلى تهزر إني أدفع ديونها لما أبقى غني قوي.

الكل يضحك. إلا أنا. لأن لاحظت حاجة: محدش بيسأل أنا عايز إيه. بس بيقولوا لازم أعمل إيه. وده فرق كبير. قبل التخرج بـ3 شهور، أمي بالغلط بعتتلي إيميل. الغلطة دي غيرت كل حاجة. كنت في مكتبي في وسط البلد بعد يوم شغل طويل، لما الإشعار ظهر. الموضوع: خطة ديون ليلى كنت همسحه. لكن شفت اسم أبويا. السلسلة فيها أمي، أبويا، ليلى، ومستشار مالي صاحب أبويا. معظم الكلام كان ممل. لكن شفت جملة. ثبتت في دماغي:

لما كريم يفك سيولة بعد الصفقة الجاية، هنشيل الدين ده. هو مدين للعيلة بعد كل اللي حصل. قريتها 4 مرات. “مدين للعيلة”. مش: ممكن يساعد. مش: نطلب منه. لا. فلوسي كانت بالنسبة لهم حق مؤجل. بعت الإيميل للمحامي خلال 10 دقايق. مش عشان أرفع قضية. عشان إثبات. وبعدين فكرت في ياسين. مش ليلى. مش أهلي. ياسين. الولد اللي دايمًا متنسي. وساعتها الفكرة بدأت. مش انتقام. تصحيح. “كريم!” صوت أمي قطع تفكيري. جت شايلة صينية عيش.

ابتسامة مثالية. تمثيل كامل. “أهو هنا” قالت. “ليلى بتسأل عن إيميلها.” بصلتلها. “أنهي واحد؟” “فكرة إعادة التمويل.” طبعًا. “لا.” اتنهدت كأني متعبها. “هي مضغوطة جدًا.” “هي 32 سنة.” “ده ظلم.” “الظلم إنكم تعاملوا حفلة ياسين كأنها جمعية تبرعات.” ابتسامتها اتشدت. “أنت عارف أختك تعبانة.” “وياسين مش؟” “ده مختلف.” بصيت لها. “إزاي؟” سكتت شوية. مفيش إجابة حلوة. “ليلى عندها ضغوط أكبر.” يعني: ليلى أهم. كنت هقولها الحقيقة وقتها. عن الشقة. عن الملكية. بس ابتسمت بس. “خليكي قاعدة بعدين,” قلت.

“يعني إيه؟” “هتشوفي.” لحظة الهدية كانت بعد ساعة. أبويا خبط على زجاجة عشان يلفت الانتباه. “يلا آخر هدية!” الكل قرب. الأطفال بيجروا. المزيكا واطت. ياسين كان متوتر. أنا واقف على طرف الزحمة ماسك علبة سودة صغيرة. جواها مفتاح. بس. الورق الحقيقي تحت الكرسي. ليلى لاحظت. “ده إيه؟” “هدية.” “لمين؟” “لياسين.” ابتسامتها شدّت. محمود سأل: “إيه ده؟” “افتح.” ياسين فتح العلبة. بص للمفتاح. مستغرب. فتح الورق. في الأول ما فهمش. وبعدين فهم. بصلي. وبعدين الورق. “إيه ده؟” همس.

“شقة,” قلت. الصمت ضـ,ـرب الحوش كله. “في جروڤ سيتي. اتدفعت بالكامل. جاهزة.” أبويا قرب فجأة. “أوريني.” قرأ. أمي جنبه. ليلى كمان. تغيرت وشوشهم. صدمة. أبويا بصلي. “الشقة دي؟” “أيوه.” “انت اشتريتها؟” “أيوه.” ياسين كان واقف مش مستوعب. “ده بيتي الجديد,” قلت. أبويا انفجر: “الفلوس دي كانت عشان قروضها!” الصوت لف الحوش كله. الكل سكت. أبويا أشار لليلى. “كان المفروض يروح لليلى!” ياسين واقف مصدوم. أمي وشها ابيض. ليلى بصت لي بعصبية. “يعني أنا أسيب أغرق وهو ياخد شقة؟”

ياسين نزل راسه. ده ضايقني. بصيت لليلى. “أنتِ 32 سنة يا ليلى.” “وإيه يعني؟” “يعني بطلي تتعاملي مع ديونك كأنها مرض عضال.” أمي صرخت: “كريم!” “إيه؟” “كل ده بسبب الفلوس!” “لا,” قلت. “بسبب إنكم كنتوا شايفين فلوسي ملك ليكم.” أبويا أشار لي بغضب. “الأسلوب ده هو اللي فلوسك عملته فيك!” قربت خطوة. “لا,” قلت. “الفلوس بس كشفت الحقيقة.” وساعتها أبويا أول مرة يبقى متوتر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى