منوعات

عيال خطيبتي

أنا بقيت مسؤول عن عيال خطيبتي اللي مـ,ـاتت—بعد 7 سنين، بنتي الكبيرة قالتلي حقيقة كسّـ,ـرت كل حاج أنا قضيت 7 سنين بربي العشرة عيال اللي خطيبتي المتـ,ـوفية سابتهم، وكنت فاكر إن الحزن هو أسوأ حاجة عدّت علينا. لحد ما في يوم، بنتي الكبيرة بصّتلي وقالت إنها أخيرًا جاهزة تقولي إيه اللي حصل بجد الليلة دي. في اللحظة دي، كل اللي كنت فاكره صح… اتكسر. الساعة 7 الصبح، كنت خلاص حرقت عيش توست، مضيت 3 ورق مدارس، لقيت جزمة ليلى في الفريزر، وفكرت كريم وعمر—تاني—إن المعلقة مش سلاح.

أنا عندي دلوقتي 44 سنة، وبقالي 7 سنين بربي 10 عيال مش ولادي. “بابا!” سارة زعقت من الطرقة، “ليلى بتقول ضفرتي شبه المكنسة!” بصّيت من وأنا بحضر الأكل: “عشان ليلى عندها 9 سنين ومش سهلة خالص.” وفجأة ظهرت ليلى على باب المطبخ ومعاها طبق كورن فليكس: “أنا ما قولتش مكنسة… أنا قولت مكنسة تعبانة.” نور كانت المفروض تبقى مراتي. من 7 سنين، كانت هي قلب البيت، اللي تهدي أي طفل بيعيط بأغنية، وتنهي أي خـ,ـناقة بنظرة.

الليلة دي، مريم كانت عندها 11 سنة، واقفة حافية على جنب الطريق، بترتعش جامد. الشرطة لقت عربية نور جنب النهر. باب السواق مفتوح. شنطتها جوه. وجاكيتها متعلقة على السور فوق الميه. لقوا مريم بعد ساعات، ماشية لوحدها على الطريق. وشها فاضي، وإيديها زرقة من البرد. ما اتكلمتش أسابيع. ولما اتكلمت، كانت بتقول نفس الجملة كل مرة: “مش فاكرة يا بابا.” دوروا على نور 10 أيام. وفي الآخر… دفـ,ـناها من غير جـ,ـثة. وسابتلي 10 عيال محتاجيني أكتر مما كنت متخيل.

“إنت سرحان في زبدة الفول السوداني”، مريم قالت. “أنا؟” بصّيت للسـ,ـكينة في إيدي: “مش علامة كويسة، صح؟” ابتسمت ابتسامة خفيفة وخدت العيش: “أكملهم أنا؟” قلت: “أنا عايز يوم عادي… من غير ما حد يولّع الشنطة بتاعته.” من الطرقة كريم صرخ: “حصلت مرة واحدة بس!” “وكفاية!” رديت عليه. مريم هزت دماغها، بس كان واضح عليها تعب جديد. الناس كانوا فاكريني مجنون لما قررت آخد حضانة العيال. أخويا قاللي: “إنك تحبهم حاجة… وإنك تربي 10 لوحدك حاجة تانية.”

بس ما قدرتش أسيبهم يخسروا آخر حد في حياتهم. فاتعلمت كل حاجة: أضفر شعر، أقص شعر، أظبط أكلهم، أتعامل مع أزماتهم، أهدّي كوابيسهم. ما كنتش مكان نور… بس فضلت موجود. وأنا بحط الأكل في الشنط، مريم قالت: “بابا، ممكن نتكلم بالليل؟” “أكيد، في حاجة؟” بصّتلي شوية زيادة وقالت: “بالليل.” والإحساس الغريب ده فضل معايا طول اليوم. بالليل، بعد ما البيت هدي، مريم وقفت عند باب الصالة: “ممكن آخد بابا شوية؟” دخلت معاها أوضة الغسيل، وكانت قاعدة كأنها بتجمع شجاعتها.

“بابا…” “قولّي يا حبيبتي.” “الكلام عن ماما.” قلبي اتقبض: “مالها؟” خدت نفس طويل وقالت: “مش كل اللي قولته زمان كان صح… أنا ما نسيتش.” “إيه؟” “أنا فاكرة كل حاجة.” قلت بهدوء: “قصدي إيه؟” بصّت في الأرض: “ماما ما كانتش في النهر… هي مشيت.” الكلام وقع عليّا زي صدمة. “لأ…” “ركنت العربية عند الكوبري، وسابت الشنطة، وعلّقت الجاكيت… وقالتلي لازم أكون قوية.” مريم كملت: “قالت إنها عملت غلطات كتير… وإن عليها ديون… وقالت إنها هتبدأ حياة جديدة مع حد تاني. وقالت إننا هنكون أحسن من غيرها… ولو الناس عرفت إنها مشيت، هيكرهوها.”

“مريم…” “كنت 11 سنة يا بابا… خلتني أحلف إني ما أقولش.” حضـ,ـنتها بسرعة. “حاولت يا بابا… كل مرة حد يسأل… كنت عايزة أقول… بس قالتلي لازم أحميهم.” غمضت عيني. نور ما سابتناش بس… حمّلت طفلة ذنبها. “عرفتي إنها عايشة إمتى؟” “من 3 أسابيع.” “كلمتك؟” “في علبة مخبياها.” جوه العلبة، صورة لنور… أكبر شوية، أضعف، واقفة جنب راجل غريب. “بعتتلك ده؟” “لقيتني على فيسبوك… وقالت إنها تعبانة وعايزة تشوفني.” “وأنا هتصرف.” تاني يوم رحت لمحامية، وشرحت كل حاجة.

قالتلي: “إنت الوصي القانوني… تقدر تحميهم.” وبالفعل، أي تواصل بقى من خلال المحامية. بعد 3 أيام، قابلت نور في موقف كنيسة. “أحمد…” قالت. “ما تقوليش اسمي كده.” قالت وهي بتعيط: “كنت فاكرة هتنسوا…” ضحكت بس بمرارة: “إنتي علمتي طفلة تكذب… وسميتي ده حب.” سكتت. “كلمتي مريم ليه الأول؟” قالت: “عشان كنت عارفة إنها هترد.” “إنتي سيبتي 10 عيال… وخليتي واحدة تشيل ذنبك.” بكت وقالت: “ممكن أشرح لهم؟” “يمكن يوم… لو ده لمصلحتهم، مش مصلحتك.” “إنتي بجد تعبانة؟”

انهارت: “لأ… كنت عايزة أرجع بس.” ومشيت. بالليل، مريم سألت: “قالت إيه؟” “قالت إنها فاكرة إنكم هتنسوا.” “أنا ما نسيتش.” مسكت إيديها: “مش لازم تشيليها تاني.” بعد أسبوعين، جمعت العيال. “لازم أقولكم حاجة صعبة عن ماما.” سارة همست: “مـ,ـاتت تاني؟” “لأ… بس اختارت تمشي.” “مش بتحبنا؟” عمر سأل. قلت: “الكبار بيغلطوا… بس مش بسببكم.” “هترجع؟” “بس لو ده في صالحكم.” ومسكت إيد مريم: “مريم ما تغلطتش… كانت طفلة.” عمر قال: “أنا مبسوط إنها مشيت… عندنا إنت.”

العيال حضـ,ـنوها. بعدها، مريم سألتني: “لو رجعت وعايزة تبقى أم تاني… أقول إيه؟” بصّيت لها وقلت: “الحقيقة… هي ولدتك… بس أنا اللي ربيتك.” وساعتها، كلنا عرفنا… مين بجد الأب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى