منوعات

نزعت الاصفاد

قالت بصوت ضعيف
جيمس؟
ثم رأتني.
وبدا عليها القلق فورًا.
ماذا حدث؟
اقترب منها جيمس بسرعة، وجلس إلى جانبها، وأمسك يدها برفق.
قال
كل شيء بخير أو ربما، لأول مرة منذ زمن طويل، بدأ يصبح بخير.
نظرت إليه بعدم فهم.
ثم نظر إليّ.
وقال بصوت ارتجف رغم محاولته الثبات
هذا ماركوس ابن ديفيد.
لم تفهم في البداية.
ثم اتسعت عيناها ببطء.
وقالت هامسة
ديفيد من الحرب؟
أومأ جيمس.
وضعت يدها الحرة على فمها.

كان واضحًا أنها سمعت الاسم مئات المرات من قبل، لا كاسم عابر، بل كجزء من ضمير زوجها وندمه وذكرياته.
قلت بهدوء
أنا آسف على الدخول المفاجئ. لكني أردت أن أتعرف إليكِ.
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت
لقد ذكرَك قبل أن يذكرك العالم كله.
التفتُّ إلى جيمس.
أما هو فاكتفى بخفض رأسه.
قالت إليانور بصوت متعب
في الليالي الصعبة، عندما كان يظن أنني نائمة، كان يبكي أحيانًا. وكان يقول اسمين دائمًا ديفيد وماركوس.
شعرت بأن قلبي ينضغط.

كم مرة عشت حياتي غير مدرك أن هناك رجلًا في مكان ما، مهشمًا ومنسيًا، يذكر اسمي وهو غارق في شعور بالعجز والدين؟
جلست على الكرسي الوحيد تقريبًا، بينما بقي جيمس إلى جوارها. وتحدثنا طويلًا.
أخبرتني إليانور كيف التقت جيمس بعد الحرب بسنوات، حين كان قد بدأ ينهض قليلًا من سقوطه. أخبرتني أنه لم يكن شريرًا يومًا، بل رجلًا هاربًا
من نفسه. يعمل فترة، ثم ينهار، ثم يقوم، ثم يسقط. وأن أسوأ ما فيه لم يكن الفقر ولا الشراب ولا الغضب، بل اقتناعه العميق بأنه لا يستحق النجاة.

قالت وهي تنظر إليه بحنان متعب
كان يحمل حياة أُعطيت له بثمن لا يظن أنه قادر على سداده.
لم أعلق.
لأن الجملة أصابتني أنا أيضًا.
كم من حياتنا نقضيها ونحن نظن أننا لا نستحق ما مُنح لنا؟
جلسنا حتى أظلمت السماء تمامًا.
ثم رن هاتفي.
كانت ابنتي الكبرى، سارة.
نظرت إلى الشاشة لحظة، وكأنني أتذكر فجأة أن لدي حياة أخرى خارج هذا اليوم. أجبتها.
أين أنت يا أبي؟ تأخرت.
أغمضت عيني للحظة.
ليس لأن السؤال صعب، بل لأن صوتها فتح داخلي نافذة أخرى.
أنا أيضًا أب.

لدي ابنة تنتظرني لتتناول العشاء.
لدي حياة كاملة كان يمكن أن لا تكون موجودة أصلًا لو لم يركض رجل شاب فوق تلة في فيتنام قبل عقود.
قلت لها
أنا بخير يا حبيبتي. تأخرت في أمر مهم وسأخبركم به عندما أعود.
قالت
هل كل شيء على ما يرام؟
نظرت إلى جيمس، ثم إلى إليانور، ثم إلى يديّ.
وقلت
ليس تمامًا لكنه ربما يبدأ الآن.
أغلقت الهاتف، وبقيت أنظر إلى شاشته السوداء للحظة.
ثم فهمت شيئًا هزني من الداخل
لقد كان أبي يفكر بي قبل أن يراني.

وأنا الآن أعيش العمر الذي لم يعشه.
أمشي، وآكل، وأغضب، وأعمل، وأشتكي من ازدحام الطريق، وأتأخر على العشاء، وأعانق أطفالي بكل بساطة لأن رجلًا في الثانية والعشرين قرر في لحظة واحدة ألا يترك صديقه للموت.
هذه الفكرة وحدها كانت أكبر من أن تُحتمل.
وقفت أخيرًا.
قلت لجيمس
سأعود غدًا.
رفع رأسه بسرعة.
ستعود؟
نعم.
لماذا؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
لأن قصتك مع أبي لم تنتهِ في تلك التلة يبدو أنها وصلت إليّ اليوم فقط.
لم يستطع الرد.
أما إليانور فابتسمت ابتسامة ضعيفة، لكنها حقيقية.

خرجت من الغرفة وأنا أشعر أنني أحمل في صدري وزنًا هائلًا، لكنه لم يعد وزن
الفراغ نفسه.
كان وزن الحقيقة.
وفي الليلة تلك، حين عدت إلى بيتي، لم أخلع حذائي فورًا كما أفعل عادة. لم أضع مفاتيحي على الطاولة بلا انتباه. لم أذهب مباشرة إلى الحمام لأغسل عن وجهي إرهاق العمل.
بل وقفت أولًا أمام خزانة قديمة في غرفة المعيشة.
فتحت الدرج السفلي.
وأخرجت الصندوق الخشبي الذي كانت أمي تحتفظ فيه بأشياء أبي.
وسام.
صورة.
سلسلة عسكرية.
رسالتان.
وشريط أسود قديم.
جلست على الأرض كما كنت أفعل وأنا صغير.

ومررت أصابعي على حواف الصورة.
ثم همست، لأول مرة في حياتي، لا إلى صورة، بل إلى رجل صار له صوت في ذاكرتي
لقد عاد إليّ شيء منك اليوم.
ولم أنم تلك الليلة بسهولة.
كلما أغلقت عيني رأيت التلة، والطين، والدخان، ووالدي يركض، وجيمس يصرخ، ثم ذلك الوشم القديم على ذراع رجل عجوز وقف أمامي مكبلًا كأي متهم آخر.
لكن الشيء الذي ظل يتكرر أكثر من كل ذلك لم يكن مشهد الموت.
بل تلك الجملة
أخبر ابني أنني كنت أحبه قبل أن أراه.
في صباح اليوم التالي، لم أذهب إلى المحكمة أولًا.

ذهبت إلى مكان آخر.
ذهبت إلى المقبرة.
وقفت أمام شاهد قبر أمي.
ثم أمام اللوح الرمزي الذي يحمل اسم أبي مع أسماء الجنود الذين لم يعودوا.
حملت معي باقة بسيطة من الزهور البيضاء.
وقفت طويلًا.
ثم قلت بصوت منخفض
وجدته.
تحرك الهواء الخفيف بين الأشجار.
لم يحدث شيء خارق.
لم يظهر نور.
لم تأتِ علامة من السماء.
لكنني شعرت لأول مرة منذ طفولتي أنني لا أتحدث إلى فراغ.
قلت
وجدت الرجل الذي كان معك.
ثم أضفت بعد لحظة، والدموع تملأ عيني
وقال لي كل شيء.

بقيت هناك وقتًا طويلًا.
أطول مما كنت أظن.
ثم عدت إلى السيارة وأنا أعرف أن اليوم الجديد لن يكون امتدادًا عاديًا لليوم السابق.
لأنني لم أعد فقط الضابط ماركوس جونسون.
ولم أعد فقط الابن الذي نشأ
على صورة.
لقد أصبحت، منذ تلك اللحظة، حامل أمانة.
أمانة
رجل مات.
ورجل نجا.
وحقيقة تأخرت خمسةً وخمسين عامًا.
ومنذ ذلك اليوم بدأت الحياة التي كنت أظن أنني أعيشها فعلًا، تتغير ببطء ثم بعمق ثم إلى الأبد.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى