منوعات

جوزي كسـ,ـر وشي

أنا قاعده في الطوارئ، ودقني ماسكها دكتور شاب بإيده، وأخويا مروان واقف على الحيطة وذراعه متكتفين. الورق اللي على ترابيزة الكشف بيعمل صوت كركشة تحتيا. الممرضة بتصور الكدمات اللي في جسمي. أنا ساكتة، بس جوايا بصوت عالي بصوت بيصرخ. لما الدكتور بيسألني لو أنا حاسة بالأمان في البيت، أبص لمروان، وأبص للكاميرا، وأحس إن حياتي كلها بتتشق نصين… واحدة كنت بتمثلها، وواحدة مش قادرة أخبيها تاني. اللي محدش يعرفه إني رغم إيدي اللي بترتعش، أنا كنت واخدة قرار خلاص. هما فاكرين إني تحت السيطرة، بس ماكانوش عارفين أنا مجهزة إيه.

قبل ما نوصل لعمق القصة، عايزة أطلب منكم طلب صغير. ريحة القهوة وصلتلي وأنا بصبها، بس مش حاسة بطعمها. إيدي ماسكة الإبريق بقوة عشان الرجفة تهدى. مازن قاعد على الناحية التانية من السفرة بياكل فراخ ووافل كإننا أسرة سعيدة، كإن إمبارح مفيش حاجة حصلت. بيعض، يمضغ، ويبلع من غير ما يبصلي. كل ما بحاول آكل، بحس الكدمة بتشد على فكي، سخنة وبتوجع كإنها فاكراني. أنا لابسة فستان أسود بسيط كإنه حداد، ولبسة سلسلة جدتي. كل حاجة على السفرة متحضرة عشانه.

قهوته المفضلة، أطقم الصيني، الفاكهة الطازة… هو فاكرها فطار اعتذار. فاكر إني بطلب السماح. هو مش فاهم حاجة. الصمت خانق صدري. بركز إني أملا الكوباية من غير ما أوقع نقطة. بحط الملح في البيض من غير ما أبصله وبعدين أضغط الجرس. هو بيقطب. يمسح بقه بالمنديل بعصبية كإن حد قطع عليه لحظة مقدسة. بقول: “عزمت ناس تيجي”، وهو مش مركز. بيقوم يروح ناحية الباب بثقة مستفزة وأنا أخدت نفسي بالعافية. صوت القفل وهو بيتقفل بيرن في وداني. بسمعه بيقول: “في إيه؟” وبعدين سكون.

ألف وشي أشوف ملامحه وهي بتتغير أول ما يشوف مروان ببدلته. ورا مروان، أختي تيا شايلة شنطة فيها كتاب ضخم لحد ما مش قادره تشيله بسهولة. جنبها إليبا ماشية بثبات، ودايمًا ماسكة الإنجيل بتاعها. المشهد غريب… بيت نضيف، سفرة مرتبة، وناس جاية كشهود. رجلي بتترعش بس مش بتحرك. بقعد وبحط إيدي على الطرابيزة وبقول اللي كنت بكرره في دماغي. “هو جاي عشانّي.” صوتي طالع هادي كهمس، بس كفاية. مازن بيحاول يهدّي نفسه، يسلم على مروان بابتسامة متوترة، ويعرض عليه قهوة كإنه يقدر يخبّي الحقيقة.

يبصلي كإنه مستني مني أدافع عنه. وأنا بدل ما أدافع، أبدأ أتكلم. أقول إنه زقني إمبارح، إنه كان سـ,ـكران، وإن جيد صرخت، وإن دي مش أول مرة. هو يضحك: “دراما زي كل مرة.” ويحاول يهزر مع مروان، وبعدين يتوتر ويقول إني مجنونة. يبص لإليبا ويقول إن ده هجوم عليه. بس أنا مكملة كلامي. كل كلمة زي حجر في صدري. تيا تفتح الظرف وتطلع الأوراق. تحطها واحدة واحدة على السفرة من غير ما تتكلم. صور الكدمات، كشف الحساب، تحويلات غريبة، رسائل، وفلاشة فيها فيديو.

مازن يسكت لحظة. يبصلي كأنه عايز يرعبني بنظرة. بس أنا مش برمش. دي أول مرة كل حاجة تبقى قدام شهود. قلبي بيدق لدرجة إني حاسة الكل سامعه. عايزة أهـ,ـرب، بس قاعدة. مروان يقوم ويقول لازم يخرجوا يتكلموا برا. مازن يضحك بس ضحكته مكسورة. قبل ما يخرج يبصلي نظرة نار، كأني أنا اللي دمّرت البيت. بس المرة دي أنا مش بتهز. بقعد مكاني، جسمي بيرتعش، والقهوة بتبرد. أنا خايفة… الخوف لسه جوايا. بس معاه إحساس جديد… وضوح.

أنا خرجت من الصمت خلاص. وأنا في المستشفى، الورق بيحك تحتيا، والدكتور بيرفع وشي للضوء. مروان واقف في الأوضة، ساكت، مش عارف أتعامل معاه أخ ولا ظابط. الممرضة بتصور وأنا بحس إني بتفضح. لما بيسألوني لو أنا بأمان في البيت، بهز راسي بس. مروان ساكت لحد ما نركب العربية. مكتب الشرطة ريحته قديمة. بأحكي كل حاجة: الليلة اللي كان بيقفلي فيها الباب، شربه، كلامه، الصراخ، الفلوس اللي بتختفي. كل كلمة طالعة كأنها خيانة… بس ما بوقفش.

أول ما بذكر لحظات حلوة بينا، صوتي بيتهز. بيديهم الفلاشة وكل الأدلة. وأنا بوقّع، بإيدي اللي بترتعش، بحس حاجة جوايا بتتكسر. برا الشمس بتخبط في وشي. العالم مكمل عادي. بس أنا ماشية ومش قادرة أتنفس. وفي العربية مع مروان، الصمت تقيل. جوه البيت… جيد قاعدة على الكنبة، ضامة نفسها، خايفة. التلفزيون شغال بصوت واطي. بقرب منها، بس هي بتتراجع. بقول هنقعد عند تيا شوية. وتسأل: “بابا هيروح السجن بسببك؟” الكلمة بتكسرني. موبايل تيا بيرن… أمي بتزعق، بتقول كان لازم نحلها جوه البيت.

وأنا حاسة إني خذلت الكل. بس فجأة جيد بتتكلم بصوت واطي: إنها كانت بتشوفه بيضـ,ـربني قبل كده، وإنها كانت بتحط سماعات عشان ما تسمعش. وساعتها بس بحس إن الحقيقة كلها طلعت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى