منوعات

ناداله

كنت متجوز واحدة شغالة في كافيه رغم اعتراض أهلي الأغنيا — بس في ليلة فرحنا صدمتني لما قالت: “وعدني إنك متصرخش لما أوريك ده” لما أهلي الأغنيا أصرّوا إني لازم أتجوز وإلا هيتحرمني من الميراث، عملت اتفاق غريب مع بنت شغالة في كافيه. بس في ليلة الفرح، إدّتني صورة قديمة غيّرت نظرتي لعيلتي، ولعيلتها، ولمعنى الحب كله. لما رجعنا البيت بعد الفرح، ندى ما باستنيش ولا حتى دخلت جوا على طول. وقفت عند الباب وممسكة شنطتها بإيدها جامد.

قالت بهدوء: “كريم… قبل أي حاجة، عايزاك توعدني بحاجة.” حسّيت بقلق غريب. رغم إن جوازنا كان مجرد اتفاق، ما كنتش متوقع أي مفاجآت. قلت: “أي حاجة.” وقفت لحظة، وحاولت تبتسم ابتسامة خفيفة: “أيًا كان اللي هتشوفه… متصرخش… على الأقل لحد ما أخلص كلامي.” الليلة دي — اللي المفروض تغيّر حياتي — فجأة بقيت مش عارف أنا هسمع حكايتها ولا هكتشف حاجة عن نفسي. حياتي كانت دايمًا متحكم فيها. كبرت في قصر كبير كله رخام، كل حاجة فيه باردة ومترتبة زيادة عن اللزوم.

أبويا، فؤاد، كان بيتعامل مع الحياة بنفس القسوة والدقة اللي بيتعامل بيها في شغله. وأمي، ليلى، كانت مهتمة بالشكل قدام الناس وبس — أثاث أبيض، هدوء، وحياة شكلها مثالي على السوشيال ميديا. باعتباري ابنهم الوحيد، ما كنتش متعامل كابن… قد ما كنت مشروع استثمار للمستقبل. من بدري وهم بيرسموا حياتي لهدف واحد: إني أتجوز “البنت المناسبة”. في كل مناسبة، صحاب أمي كانوا بيعرضوا بناتهم عليا — شيك، مؤدبين، ومجهزين نفسهم لجواز من واحد غني. ولما كملت 30 سنة، أبويا حط الشرط الأخير.

قال بهدوء على السفرة: “لو ما اتجوزتش قبل 31… مالكش نصيب في الميراث.” ما كانش فيه خـ,ـناق ولا عصبية — بس نفس البرود اللي بيشتغل بيه. وفجأة… حياتي بقى لها موعد نهائي. بعد أسابيع من مواعيد بايخة مع بنات مهتمين باسمي أكتر مني، دخلت كافيه صغير في وسط البلد بالصدفة. وهناك قابلت ندى. كانت بتشتغل نادلة، بتهزر مع الزباين، فاكرة كل الطلبات من غير ما تكتبها، وبتعامل الناس كلها بذوق وطيبة بجد. كان فيها حاجة حقيقية… حاجة ما حسّتهاش بقالي زمن.

فقدمت لها عرض. حكيت لها عن شرط أهلي، وقلت لها نعمل اتفاق: نتجوز سنة واحدة بس. جواز رسمي من غير مشاعر. وأنا هدفع لها مبلغ كويس. وبعد سنة نطلق بهدوء. ندى فكرت كويس، سألت عن التفاصيل والعقود… وفي الآخر وافقت. الفرح حصل بسرعة. أهلي عملوه في ناديهم، وكان واضح جدًا إنهم مش راضيين عن خلفية ندى البسيطة. أما أهلها، رغم هدوءهم، كانوا مبسوطين بجد. وفي ليلة الفرح… ندى ورّتني الصورة. كانت صورة قديمة لبنت صغيرة واقفة جنب ست لابسة مريلة مطبخ.

الخلفية كانت مألوفة… كان بيت طفولتي. حمام السباحة بتاعنا. والست اللي جنب البنت… كانت أم حسن — الشغالة القديمة عندنا. اللي كانت بتديني بسكوت من ورا أهلي وأنا صغير. واللي كانت بتقعد جنبي وأنا عيان، في وقت ما أهلي كانوا في حفلات. من سنين، أمي طـ,ـردتها واتهمتها إنها سـ,ـرقت إسورة. ندى بصّت لي بهدوء وقالت: “أم حسن… تبقى أمي.” صدري ضاق، والذكريات رجعت كلها. وعرفت بعد كده الحقيقة: أمي كانت لقت الإسورة بعد كده… بس ما اعترفتش إنها غلطت.

وسمعة أم حسن اتدمـ,ـرت، وخسرت شغلها واستقرارها. ندى ما وافقتش على الجواز عشان الفلوس بس… هي كانت عايزة تعرف: الولد الوحيد اللي أمها كانت بترعاه زمان… كبر وبقى راجل كويس؟ ولا بقى نسخة من أهله؟ تاني يوم، أنا وندى واجهنا أهلي في النادي. قدام الكل، الحقيقة ظهرت — اتهام أمي الكدب، والظلم اللي حصل لأم حسن… كل حاجة. ولأول مرة في حياتي… وقفت قدامهم. وسبت فلوسهم… وتوقعاتهم. وبعدها، وأنا وندى ماشيين، إدّتني بسكوتة من وصفة أمها.

في اللحظة دي فهمت حاجة كانت أم حسن عارفاها من زمان: الحب ما كانش في فلوس أهلي أبدًا… كان دايمًا في طيبة الناس اللي كانوا بيبصّوا لهم من فوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى